|
dimanche 22 novembre 2009
|
|
«الطائف» بيت صغير لمنازل كبيرة (1من 2) (أنطوان نصر الله)
|
|
|
مفارقة دستورية وثابتة تاريخية، لا بدّ من التوقّف عندهما في تحليل أي نصّ دستوريّ نظّم العقد الاجتماعي للبنانيين في تاريخهم الحديث. المفارقة أن التطور الذي يصيب النص يهدف إلى مراعاة وضع طائفة، أو مجموعة طوائف، في مواجهة غيرها من مكوّنات المجتمع اللبناني، نتيجة تطورها الديموغرافي، السياسي، الاقتصادي والاجتماعي، وتمددها بعد فتنة أو حرب داخلية. أما الثابتة التاريخية فتكمن في الدور الذي يلعبه الخارج في اقتراح النصوص وفرضها على اللبنانيين. لم يخرج اتفاق «الطائف» عما سبقه من دساتير أو مواثيق نظمت حياة اللبنانيين الدستورية. فُرض الاتفاق نتيجة حرب داخلية امتدت طوال خمسة عشر عاماً، انتهت بقرار إقليمي ـ دولي بعدما استنفدت أغراضها.
في تاريخ لبنان الحديث، نلاحظ أن جميع المواثيق فرضت علينا مثلما فرض اتفاق «الطائف»: ففي 1840 ونتيجة الانهزام المصري بعد حملة ابراهيم باشا وسقوط حليفه الداخلي بشير الشهابي الثاني ونفيه وعدم قدرة أي من الشهابيين على خلافته، والخلاف الكبير بين الموارنة والدروز نتيجة شعور هؤلاء بالغبن وتدخل الدول الأوروبية، مكّن العثمانيين من فرض نظام هجين غريب يحلم البعض اليوم بالعودة اليه، وهو نظام «القائمقاميتين»، واحدة ذات سيطرة درزية وأخرى مسيحية، ما دفع بالبلاد الى فتنة 1860، التي كانت نتيجة حتمية لعوامل عديدة، أهمها التطور الاجتماعي وما عرف بـ«ثورة طانيوس شاهين» في كسروان والخوف من انتقالها الى بلاد الدروز، يضاف اليها التنافس بين فرنسا وبريطانيا وغيرهما من الدول الأوروبية، على أملاك السلطنة العثمانية وفي طليعتها لبنان نظراً لموقعه ولسهولة اللعب على تناقضاته الداخلية، من دون أن ننسى جو التعصب الطائفي الذي عرفته السلطنة العثمانية، إن امتداد هذه الفتنة الى دمشق وفلسطين وتهديدها المباشر للسلطنة، دفعها، كما الدول الاوروبية، للعمل على وقفها.
حينئذ تمّ الاتفاق في الآستانة بين لجنة ضمت ممثلين عن بريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا برئاسة عثماني في 9 حزيران 1861، على ما سمي بـ«النظام الأساسي» بمواده السبعة عشر، الذي تمّ بموجبه «تدويل» لبنان، اذ أصبح سنجقاً عثمانياً له استقلال داخلي تضمنه الدول الأوروبية الست. تكمن أهمية هذا النظام، الذي أصبح يعرف بنظام «المتصرفية»، أنه إضافة الى إسناده السلطة إلى متصرف مسيحي كاثوليكي عثماني من غير اللبنانيين، فقد أسس مجلساً ادارياً يعاون المتصرف مؤلفاً من مختلف الطوائف اللبنانية، واقتصرت جغرافية لبنان يومها على جبله، من دون بيروت والبقاع ومنطقتي طرابلس وصيدا. اعترف نظام «المتصرفية» المعدل عام 1864 بشكل صريح وللمرة الأولى بمسألتين رافقا كلّ الدساتر وأنظمة الحكم في لبنان، الأولى هي الإقرار بدور الطوائف والمجموعات الروحية في إدارة الشأن اليومي، وهذا ما سينعكس حكماً على مفهوم المواطنية التي سترتبط ارتباطاً وثيقاً بالطائفة. أما المسألة الثانية فهي الدور الخارجي في إدارة الداخل. وإثر انهزام السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، انتقل لبنان، عملاً بنظام تقاسم الحصص، إلى الكنف الفرنسي. لبنان الذي خرج منهكاً من حرب لم يشارك بها، أدرك أهله الذين أصابتهم المجاعة، أنهم لا يستطيعون أن يعيشوا من دون موانئ وسهول. كانت فكرة «لبنان الكبير» التي طبقتها فرنسا عام 1920 في الفترة الانتقالية بين «نظام المتصرفية» ودستور الجمهورية اللبنانية الذي أقر عام 1926.
تكمن أهمية «لبنان الكبير» في انتقال التنافس الدرزي ـ الماروني للسيطرة على جبل لبنان، إلى صراع سني ـ مسيحي للسيطرة على مفاصل الحكم فيه. بالفعل فقد حرص أحد أهم منظّري الدستور الجديد المفكر ميشال شيحا، على مراعاة العلاقات التقليدية بين الطوائف المختلفة في متن الدستور، على الرغم من أنه استوحى أفكاره الأساسية من الجمهورية الفرنسية الثالثة التي لا تقيم وزناً للطوائف وتقدّس الفرد بحد ذاته. وهكذا توزعت السلطات تدريجياً بين الطوائف الكبرى، وعرف لبنان استقراراً سرعان ما عكّرته الحرب العالمية الثانية التي جعلت من فرنسا، البلد المنتصر، من القوى العظمى، مع وقف التنفيذ. عرف لبنان استقلاله عام 1943 الذي كان وليدة «اتفاق الحد الأدنى» بين مختلف شرائحه حول ما سمي «الميثاق الوطني»، الدستور غير المكتوب الذي كان أعلى وأقوى من دستور 1926 المكتوب.
وزّع هذا الميثاق بشقه الداخلي المراكز بين الطوائف، وحدّ من الصلاحيات الواسعة المعطاة لرئيس الجمهورية في الدستور. اما في شقه الخارجي فقد استنبط فكرة جديدة قوامها عدم الذوبان في البحر العربي وعدم الاستقواء بالمحيط الأجنبي. طوال فترة الاستقلال نجا لبنان من الانقلابات التي كان محيطه يتخبط بها، ولكنه لم ينج من الفتن الداخلية التي عرفها عام 1958 نتيجة صعود فكرة القومية العربية في لبنان متأثرة بالمد الناصري، ولكنها فعلياً كانت تخفي محاولة أولية لفرض اتفاق للمشاركة بالسلطة. أخمدت الثورة نتيجة خوف عبد الناصر على لبنان وذكاء فؤاد شهاب ولكن الفتنة تحوّلت الى حرب عام 1975 وتحوّل معها لبنان الى واجهة متقدمة في الحرب الباردة، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وحتى العربي ـ العربي. في 1989 وُلد «الطائف»، كأحد نتائج سقوط الاتحاد السوفياتي، واجتياح العراق للكويت، مروراً بالتوافق السوري ـ السعودي ـ الأميركي على إدارة الوضع اللبناني، والتغيرات الداخلية الناجمة عن وهن المسيحيين بعد مقتل بشير الجميل، وسقوطهم في حرب الجبل، إضافة إلى حروبهم الداخلية التي أضجرت المجتمع الدولي، في موازاة الصعودين، السني نتيجة عاملي الديموغرافيا والمال والارتباط الوثيق بالسعودية، والشيعي نتيجة الثورة الإسلامية في إيران.
|
|
|
|
|
|
|
|
Actualités
|
|
|
|
DerniersAlbums
|
|
|
|
 |
|
Offresd'emplois
|
 |
|
|
|
 All Rights Reserved.
tayyar.org is not responsible for the content of the Forum and of the external links
|
|
|