مارون ناصيف - بغض النظر عن أصوات النشاذ التي تصدر تارة من هنا وطوراً من هناك، فلقد أصبح واضحاً بما لا يقبل الشك، أن الغالبية الساحقة من اللبنانيين تريد حكومة وحدة وطنية في أسرع وقت ممكن، وهذا الإجماع مقرون بمبدأ أن هذه الحكومة لا يمكن أن تبصر النور من دون مشاركة رئيس أكبر كتلة نيابية مسيحية والثانية من حيث عدد نوابها في المجلس النيابي بعد كتلة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة النائب سعد الحريري. فالعماد ميشال عون، وعلى عكس ما أعلنه ذات مرة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع أنه يرفض مقولة أن الحريري وعون يشكلان الحكومة، قلب المعايير والمقاييس التفاوضية في لبنان راساً على عقب. فبينما تأقلم اللبنانيون خصوصاً في زمن الإحتلال السوري على أن الترويكا المؤلفة من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي وكذلك الرئيس المكلف تشكيل الحكومة، هي التي تخوض بشكل ثلاثي مشاورات التأليف وذلك بالتنسيق مع سلطة الوصاية، وهي التي توزع الحصص الوزارية بين بعضها البعض بعيداً من قواعد المشاركة والشراكة وإحترام الميثاقية كما نص عليها إتفاق الطائف، فالأعين شاخصة منذ السابع والعشرين من حزيران الماضي يوم كلف الحريري وللمرة الأولى قبل الإعتذار، بإتجاه محور الرابيه وقريطم وما إذا كانت الزيارت المكوكية المتبادلة بين الجنرال والرئيس المكلف ستنتج حلاً حكومياً منشوداً.
البارز في هذه المعادلة هو إرساء مجموعة مفاهيم كان يرفض تقبلها في الماضي بعض حلفاء العماد عون قبل أخصامه السياسيين وأبرزها:
"مطالب العماد عون محقة ولا يمكن التراجع عنها"، "التنازلات لا يجب أن تكون دائماً من جانب المسيحيين وزمن التهميش ولى الى غير رجعة"، "الجنرال كان ولا يزال الممثل الأول لطائفته"، "قاعدة إحراج الجنرال تمهيداً لإخراجه التي استعملت في حكومة العام 2005 لم تعد نافعة اليوم"، "الوزارات لم تعد إمارات إقطاعية أو ميليشياوية أو حزبية أو حتى شخصية بل عادت مرافق عامة لكل اللبنانيين"، "مسيرة الإصلاح إنطلقت من وزارات الإتصالات والشؤون الإجتماعية والطاقة وستستمر من دون العودة الى زمن الفساد والإفساد واللامراقبة".
لا شك أن هذا المشهد الجديد يزعج الكثيرين من السياسيين ولكن بنسب متفاوتة. فالمتضرر الأول هو رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي لا دور فاعلاً له في عملية التأليف والأمر يعود الى الظروف التي أوصلته الى كرسي الرئاسة الأولى. أما المتضرر الثاني فهو رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي لم يتعود يوماً على هذا الواقع فهو لطالما كان من المقررين الأساسيين في مثل هذه الإستحقاقات لكنه على رغم تضرره يقف مع قوى المعارضة داعماً لمطالب الجنرال. وإذا كانت الأضرار التي لحقت برئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط طفيفة مع محافظته على حصته الوزارية المعتادة، فالفريق المسيحي المتحالف مع الرئيس المكلف هو الضحية الأولى في عملية تشكيل الحكومة إن لناحية عدم المشاركة الحقيقية في القرار وإن لناحية عدد وأهمية الحقائب التي يصارع للحصول عليها.