search archives
HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

في معنى مجيء عصام فارس إلى لبنان

18
MAY
2017
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

قرّبني الصديق الحبيب المغفور له السفير فؤاد الترك من نائب رئيس الحكومة السابق عصام فارس، استتبعت القربى الفكريّة بمقاربة حسيّة وملموسة لنوعيّة المحتوى السياسيّ الأنموذجي الفريد الراسخ في دماغه وعقله، والمتجسّد بتواصله العميق مع قضايا لبنان والمنطقة. بداءة الالتماس الفعليّ حين دعي هذا الرجل المعطاء للعمل الوطنيّ في حكومة كان نائب رئيسها خلال عهد الرئيس إميل لحود، في لحظة كانت حبلى بالتحوّلات العاصفة وقد أخذت لبنان والمنطقة فيما بعد إلى ذروة الانفجارات والاغتيالات. أوجدت تلك الدعوة عندي وعند كثيرين من النخب المتعاطية في الشان العام أسئلة مشروعة حول معنى ومغزى دخول رجال اعمال كبار رحاب السلطة، وقد انطلقت الأسئلة جيّاشة وفياضة بسبب الجدليّة الحامية والخصبة في علاقة المال والسلطة، إذ دائمًا ما كان المال وسيلة استهلاكية للسلطة، ووسيلة لشخصنتها والقبض عليها بتلابيبها وأعماقها. وقد تنحو تلك العلاقة نحو تدمير مفهوم الجماعة المؤتلفة في سرّ توقها نحو أهدافها واتجاهها نحو ترسيح الرؤى، فتبطل الشخصانيّة المنتفخة روح الجماعة وتنتزعها من حقيقتها الوجوديّة إلى آفاق تكسبيّة غالبًا ما تتسم بالسطحيّة والجهل.

 

انطلقت القربى الفكريّة بعصام فارس في اللحظة التي دعي إليها ليكون في السلطة. قبل ذلك كان رجل خير وعطاء، وعند الناس هو رجل المال والأعمال. بداءة القربى جاءت بدعوة من الحبيب فؤاد حين دعاني لزيارة مكتب نائب رئيس الحكومة آنذاك عصام فارس في سنتر صوفيل في الأشرفية، هناك ازدحمت في عقلي رؤى جديدة عن طبيعة عمل الرجل النزيهة والراقية في آن، فقد دعا مجموعة راقية من السفراء كان فؤاد الترك وعبدالله بو حبيب وفخري صاغية وآخرون من بينهم مع مجموعة من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين ليتولوّا دراسة الملفات بخصوصياتها وآلياتها، فكانوا يجتمعون أسبوعيًّا وأحيانًا يوميًّا برئاسته لتقييمها وتمحيصها وأخذ القرار بها لطرحها من جديد على طاولة مجلس الوزراء أو لمناقشتها في مجلس النواب، لقد دلّ هذا الأمر على طبيعة مهنية واحترافيّة جديدة غير قائمة عند معظم السياسيين اللبنانيين، ما خلا المغفور له الصديق نسيب لحود، حيث إتّبع المنهج عينه في العمل السياسيّ المهنيّ وغير الشعبويّ إطلاقًا.

 

أعجبت كثيرًا وبهرت بنوعيّة العمل الجماعيّ غير المألوف إلاّ عند من لا يستكبرون أو يخطفهم المال إلى الاستكبار. نوعيّة العمل عند عصام فارس منهجيّة ما بين الخارج والداخل بجوهر استشرافي ومشيئة تكوينيّة، ففي الولايات الأميركية المتحدة دأب على دعوة قادة العالم للحديث عن تجاربهم وأدوراهم وللحديث بصورة خاصّة عن واقع المشرق العربيّ، وفي لبنان أسّس لمركز اهتمّ ليكون منطلقًا لنقاشات تعنى بالشأن اللبنانيّ والعربيّ أشرف عليه الصديق عبدالله بو حبيب وإلى جانبه المفكر الراقي المرحوم رغيد الصلح، وكان هذا المركز بمثابة متنفّس للنخبة يلتقون ويقرأون معًا. تشي طبيعة هذا الأمر إلى اهتمام بالغ وبليغ عند الرجل بواقع المنطقة والعالم وفهم التطورات فيه، لم يحجّم ذاته بهذا المعنى في قالب ماليّ، بل اعطى لنفسه فسحة ونحت مساحة للإبحار العميق والغوص في كلّ المعاني الناشئة والمتحركة خلف الأحداث ليبني عليها إذا قدر أطروحته ويبثّها في المدى المنظور.

 

مع مجيئه إلى لبنان، بعد طول غربة عنه تتراكم الأسئلة حول المعنى والمغزى من مجيئه، في لحظة جديدة تتفرّع منها مجموعة لحظات دقيقة تتدحرج على أرض الواقع السياسيّ والطائفيّ والمذهبيّ. لا يخفى عن عصام فارس الكثيف الاتصال بالإدارة الأميركيّة، والشديد التواصل مع عناوين دقيقة للغاية، بأن اللحظة الكليّة المتدفقة إلى هذه المنطقة هي اللحظة الأميركيّة المشبعة برؤية الإدارة الجديدة المنقلبة بتفاصيلها على الإدارة القديمة، وفي سياق صراع جبهتين شرقية وغربية. هذه اللحظة بالذات تملك طاقة احتوائيّة لتوظيف عناصر جديدة بملك القدرة على ابتكار العناوين وطرحها ضمن ما يسمّى بالواقعيّة السياسيّة. لا تعني تلك القراءة بأن عصام فارس واحد من تلك العناصر المنضوية، بل هو واحد من العناصر المحاكية، أي التي تتقن فن المحاكاة بمنهج الاستشراف والإطلالة على قضايا المنطقة. ذلك أنّ الانضواء شيء والمحاكاة شيء آخر. وجوهر فارس المذهبيّ أي الأرثوذكسيّ يدفعه نحو المحاكاة وليس نحو الانضواء.

 

جوهر المحاكاة عند عصام فارس تتيح للبنانيين بأن يستفيدوا منها إذا ما قرّر العودة إلى الحياة السياسيّة سواء عبر قبّة البرلمان أو عبر طاولة مجلس الوزراء، وهذا الجوهر مفيد وطيب سيّما إذا ما عقل وعدل وتوازن مع نفسه وفي بثّ العلاقات والاتصالات. لا يخال عاقلاً أن عصام فارس بعيد عن الأسوار الروسيّة، في عملية اكتشاف لرؤيتها تجاه المنطقة بالمقدار عينه الذي هو فيه قريب من الإدارة الأميركيّة بطبيعة المحاكاة التي يملكها ويوظّفها. السؤال المطروح بدقّة متناهيّة هل يريد عصام أن يتموضع داخل اللحظة اللبنانية الجديدة بحركيتها المتواصلة مع الأحداث الداخليّة والخارجيّة، وهل هو سيتربّع من جديد على مقعد عكار في المجلس النيابيّ؟

 

لم يتّخذ الرجل قراره بعد، طبيعة زيارته إلى لبنان استكشافيّة لعناصر الأزمة السياسيّة، وما بلغته من محطات جديدة، واستنباطية لعلاقة الدور بها أو علاقتها هي بالدور المحتمل الذي يحويه صاحبه ويراه منطلقًا لعودته إلى السياسة من بابها العريض، وإحيائيّة في آن لحالة وهالة رسخت في الحياة السياسيّة اللبنانية وما انعزلت عنها على الرغم من الغربة الطويلة عن أرض لبنان. حين انتخب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة اللبنانيّة، كرّس عصام فارس زيارة خاصّة له وغادر توًّا من القصر إلى موناكو، نمت فكرة راجت بأن يدعى ليتسلّم موقع نيابة رئاسة الحكومة من جديد، والدعوة لم تتمّ لأنّ المقايضة قادت إلى أن يسمّى غسان حاصباني ويدعى إلى هذا الموقع، وقاد حاصباني هذا الموقع إلى توازن حسيّ ومتلازم ما بين الانتماء المذهبيّ والانتماء الحزبيّ. وخلال هذه الزيارة أكّد فارس حرصه على دعمه لموقع الرئاسة الأولى وهو عامد على استكمال هذا الاستشراف ليبني خياره المقبل على منطلقاته.

 

يبقى شقّ أرثوذكسيّ ومسيحيّ ارتبط سلفًا به، لا سيّما في علاقته بالكنيسة ومؤسساتها، هذا الشقّ بقدر ما هو حسّاس عنده في طبيعة العطاء والعمل، فهو بدوره حسّاس ومعقّد في فهم الناس لواقعية تلك العلاقة. وقد نشأت تلك الحساسيّة في مدى طائفيّ شاك من عدم وجود أيّ تمثيل له على كلّ المستويات وفي ظلّ البحث عن الذات الطائفيّة المتبعثرة في معتقلات مغلقة. وتزداد الشكوى عند الناس وتتراكم بسبب عدم الرعاية الكاملة من قبل الكنيسة أو من قبل من يملكون الأموال الطائلة للنازحين إلى الداخل من خلف الحدود، وحتّى لمن هم خلف الحدود مع عدم معرفة مصير المطرانين المخطوفين وفي اعتقادهم إن مشهد بناء الصروح ومشاهد التكريم بهذا الشكل يفترض ان يتماهى مع تكريم الكنيسة لفقرائها، للمتعبين فيها. الإرساليات والرهبانات سليلة الفقر والفاقة والعوز، انطلقت من هذا المعين وشعّت، وباتت المؤسسات التابعة لتلك الإرساليات ريعيّة بل جزءًا من الاقتصاد المتوحّش بل الرأسماليّة المتوّحشة اللافظة للفقراء من جوفها، وعادت النغمة لتسود بأن البطاركة والأساقفة عشراء الأثرياء فقط وحلفاءهم في كلّ شيء.

 

تلك رؤى مهيمنة عند عامّة الناس ونخبهم في الكنيستين المارونيّة والأرثوذكسيّة، وهي توجعهم وتؤرقهم في لحظة تنعدم فيها الموارد ويشح الرزق الحلال فلا المدرسة تستقبل الأطفال والمرضى يموتون متسكعين على أبواب المستشفيات. وعلى الرغم من قساوة تلك الرؤى وهيمنتها، فإن الناس لا يمكن أن تنكر فضل عصام فارس ببناء الصروح العلميّة من جامعة البلمند إلى جامعة سيدة اللويزة إلى الجامعة الأميركية في بيروت، ولا يمكن لأحد أن يتنكّر لدور الرجل في بناء الكنائس، هذه علامات تدلّ على خصوصيّة رحبة تمتاز بالكرم والنبل، وعصام فارس أمثولة لكثيرين من رجال اعمال بهرهم المال وبقوا خالين من عطاء وخالين من فكر. الفكر عنده هو الذي جلب المال وليس العكس، والفكر والمال عنده جعلاه يمتهن السياسة بعمق كبير.

 

يبقى أمر أخير، الأرثوذكس في هذا الزمن مرميون في اللامدى تتقاذفهم رياح هوجاء في هذا المشرق، هذه كنيسة لا تريد أن تكون طائفة منغلقة في لبنان، ولكنّها تئنّ في لبنان بسبب عدم قراءتها كمعطى قائم وراسخ في تكوين لبنان، وفي سوريا وهي حديقة فارس الخلفيّة، عندنا مطرانان مخطوفان بولس يازجي ويوحنّا إبراهيم، وقد كانت قريتان في ريف حماه أن تنسلخا لولا بسالة أبنائهما، ويمثّلان ثقلاً أرثوذكسيًا كبيرًا في المشرق العربيّ، ووادي النصارى وهو امتداد طبيعيّ لعكار يمتاز بدوره بثقله المسيحيّ الأرثوذكسيّ الموصول مع الواقعين السوريّ واللبنانيّ بالطبيعة المشرقيّة، ليس مطلوبًا من عصام فارس أن يقفز فوق قدرته وطاقته في إيجاد الحلول السريعة، هذا إحساس ينمو أو لا ينمو عند الناس، ومعروف عن عصام فارس بأنّه مشرقيّ الهوى. على هذا إن الجوهر الأرثوذكسي يفترض أن يعاد إنماؤه بالطبيعتين السياسيّة والكنائسيّة، وهو جزء من الذات المسيحيّة المتكاملة، فلا يفترض فقط أن تبنى الصروح بلا توظيف حركيّ ومتحرّك لها في لحم الأزمة وبنيتها، بل بتوظيف عاجل يعرّف عن هويتنا برسوخ كامل ويدافع عن موجوديتنا ويحقّقق تكاملنا مع الآخرين. ففي سنة 1993 كنت في معيّة المثلّث الرحمات البطريرك إغناطيوس الرابع رحمه الله في دير القديس جاورجيوس الحميراء في قرية المشتاية في وادي النصارى، وحضرت اجتماعًا بينه وبين وفد من مجلس الكنائس العالميّ، خلال هذا اللقاء قال السيد البطريرك، لقد آثرنا بناء صروحنا في هذا المدى وفي البلمند لأن الحجر ينطق بهويتنا. في هذا الزمن الحجر والبشر يتكاملان في هوية واحدة، والطاقات كلّها يجب ان تبذل في سبيل تجديد هذه الهوية وتبذير المال من اجل مساعدة الناس على البقاء والنموّ والانوجاد، إذ شرط الهويّة يتمّم بالانوجاد والنموّ والإبداع ومن ثمّ الإشعاع، وعصام فارس كأمثولة مجتهدة، أحد القادرين على تجسيد هذه الحقيقة بحرص وحب كبيرين وفي هذا الانسكاب المجانيّ بلا حدود. عصام فارس عمود مضيء ورخاميّ من الأعمدة اللبنانيّة والمشرقيّة فعسى مجيئه يكون فاتحة خير وسلام وفلاح ورجاء.

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING