search archives
HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

"طوبى للمضطهدين من أجل الحقّ، فإنّ لهم ملكوت السماوات"

21
APRIL
2017
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

الخوري أنطوان القزي


مقدّمة
بعدما صعد إلى الجبل، راح يسوع يعلّم الجموع معلنًا شريعةً جديدة، ختمها وتوّجها قائلاً: ""طوبى للمضطهدين من أجل الحقّ، فإنّ لهم ملكوت السماوات" (مت ٥: ١٠)، وكأنّه يعلن: إن عشتم بحسب متطلّبات هذه الشريعة، لا بدّ لكم من تعانوا الاضطّهاد والألم والرفض...
فالمسيحيّة تعيش عكس مفهوم العالم، لذلك فالعالم يرفضها ويحاول جاهدًا طمسها، لأنّ ما تحمله هو الحقيقة، والحقيقة غريبة عن منطق هذا العالم الذي يعيش في الكذب والنفاق والفساد والمصلحة الفرديّة. والحال، فإنّ الناس لا يحبّون ما هو غريبٌ عنهم. المسيحيّ يعيش على مثال معلّمه، يناصر الفقير والمظلوم، الجائع والمريض، لذا فهو يزعج العالم الذي تسيطر عليه ذهنيّة الأنانيّة، والمصلحة والاستهلاكيّة. بهذا المعنى قال يسوع لتلاميذه في إنجيل يوحنا: "أنتم من العالم ولستم من العالم" (يو ١٥: ١٩).
كلام يسوع هذا، صار بمثابة مقياسٍ يلجأ إليه كلّ من فقد بوصلة حياته المسيحيّة، بمعنىً آخر، كلّ مسيحيّ لا يعاني الرفض والاضطّهاد والألم بسبب برارته، فهو مخدوعٌ ويعيش بسطحيّة كبيرة.
لكن، أيُعقل أن يكون الاضطّهاد والألم شرطًا لعيش مسيحيّة حقّة؟
لن نذهب بعيدًا في البحث عن حلّ لإشكاليّتتا هذه، بل سنعود إلى ما يعلّم الكتاب المقدّس حول هذا الموضوع بعهديه القديم والجديد، وكيف للمؤمن أن يتصرّف في مواجهة الاضطّهاد والألم الموعود به إن هو عاش بموجب شريعة التطويبات.

- الجذور الكتابيّة
بالعودة إلى قاموس الكتاب المقدّس، نجد أن الاضطّهاد يعني المبالغة في ظلم إنسان وإذلاله بسبب الاختلاف الديني، العرقيّ أو السياسيّ. من هذا المنطلق، كانت الديانة اليهوديّة تحكم وتوقع القصاص على كلّ من تسوّل له نفسه عبادة أيّ إله آخر إلههم. فنجد في سفر اللاويين على سبيل المثال: "كلّم الربّ موسى قال: قُل لبني إسرائيل، أيّ إسرائيليّ وغريب نزيل في إسرائيل أعطى من نسله للوثن مولَك، فليقتله الشعب رجمًا بالحجارة" (لا ٢٠: ١-٢).
فالاضطّهاد تزامن مع بدايات وجود الإنسان، وقد قال يسوع للفرّيسييّن: "فتشهدون على أنفسكم بأنّكم أبناء الذين قتلوا الأنبياء. فتمِّموا أنتم ما بدأ به آباؤكم... لذلك سأُرسل إليكم أنبياء وحكماء ومعلّمين، فمنهم من تقتلون وتصلبون، ومنهم من تجلدون في مجامعكم وتطاردون من مدينة إلى مدينة..." (مت ٢٣: ٣١ و ٣٤).
أمّا من جهة العهد الجديد، فهو يُثبت أن الكنيسة ومنذ تأسيسها سارت في مهبّ العاصفة، فما أن أطلقها الروح الحالّ على التلاميذ في العليّة، حتّى استشرس المضطّهدون في وجهها فقُبض على بطرس ويوحنا (أع ٤: ١-٢٢)، وقُتل إسطفانس الشهيد الأوّل في المسيحيّة (أع ٦: ٨ و ٧: ٦٠)، ولا ننسى شاول قبل ارتداده كيف كان يتفنّن بتهديد كلّ من يدعون "باسم الربّ يسوع المسيح" وقتلهم وتعذيبهم (أع ٩: ١).
كلّ هذه الآلام وغيرها، لم تصدم أبناء الكنيسة، لأنّ يسوع كان قد سبق وأنبأ بها (مت ٥: ١١ و مر ٤: ١٧)، لا بل دفعت بأبنائها إلى الوقوف بجانب بعضهم البعض، وتشجيع بعضهم البعض ليتمكّنوا من الصمود في وجه المُضطّهدين وينالوا الطوبى التي وعدهم بها يسوع. فنجد بولس وبرنابا يشدّدان عزائم التلاميذ ويشجعانهم بعد عودتهم إلى أنطاكية في سورية فيقولان لهم: "لا بدّ من أن نجتاز كثيرًا من المصاعب لندخل ملكوت الله" (أع ١٤: ٢٢). وها هو يوحنا في كتاب الرؤيا يشجّع أبناء الكنائس السبع لا بل يشاركهم معاناتهم: "أنا يوحنّا، أخاكم وشريككم في المحنة والملكوت والثبات في يسوع" (رؤ ١: ٩).

 

- جزاء من يثبت ويبقى أمينًا
ما نتج عن الاضطّهادات التي عانتها الكنيسة، ما كان إلاّ طيّبًا. فالربّ وحده يستطيع أن يستخرج من الشرّ خيرًا، وحده يمكنه أن يحوّل حتّى أسوأ الأحداث لخير الذين يحبّونه، على ما يقول الرسول بولس.
فلم يتمكّن المضطّهدون أن يُثنوا كثيرون عن ممارسة إيمانهم وإعلانه جهارًا، وقد برز منهم: إغناطيوس، ترتليانوس، أوريجانوس وغيرهم كثيرون.
والاضطّهاد ثانيًا فرز الأخيار والأشرار. فكان كالضربة التي سحقت القشّ وفصلت عنها الحبوب الثمينة التي اختارها الربّ، كما يقول أغسطينس.
وأثبت الاضطّهاد ثالثًا أنّ إيماننا لا يموت، حتّى في هذا العالم، لأنّ مُلك المسيح لا نهاية له. فها هي رومة الوثنيّة التي سَكَرَت من "دم القدّيسين" (رؤ ١٧: ٦) قد سقطت ولم تفلح بالقضاء على المسيحيّة. نعم سمح الربّ أن يستمرّ هذا الطاغية بقتل المؤمنين على مدى ثلاثة قرون، ولكنّه أراد في ذلك أن يُقنع العالم أنّه مهما تآمر العالم عليه وعلى أبنائه، فلن يصلوا إلى مبتغاهم: "ملوك الأرض يثورون وحكّامها يتآمرون معًا على الربّ، وعلى الملك الذي مسحه الربّ" (مز ٢:٢).
ولن يغيب عن بالنا أبدًا كلمة الربّ المشجعة في كتاب متّى في سياق حديثه عن الكنيسة التي سيؤسّسها على بطرس: "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت ١٦: ١٨). تاريخنا حافل بالشهداء، وحافلٌ بفنون القتل التي مارسها المضطهدون، لكن ذلك لن يخيفنا ولن يثنينا عن عيش إيماننا، لا بل فإنّ دماء من سبقونا هي غذاء لنا، تُشدّد عزائمنا والرُّكب، هذا ما عبّر عنه ترتليانوس: "إنّ دمّ الشهداء هو بذار المسيحيّين".
نحن صامدون لن نهاب الموت، لا بل نحن نستقبله بفرح، لأنّا سمعنا وعد الربّ وهو صادق في وعوده: "لا تخف مّما ينتظرك من الآلام، فسيُلقي إبليس بعضكم في السجن ليمتحنكم، فتعانون الضيق عشرة أيّام. كُن أمينًا حتّى الموت، وأنا أعطيك إكليل الحياة" (رؤ ٢: ١٠).

 

- خاتمة
ختامًا، على كلّ مؤمن أن يعي جيّدًا أنّ الاختبار الحقيقيّ للمسيحيّة لا يمكن أن يُعاش إلاّ بالربط ما بين السعادة والصليب في آنٍ واحد. فالألم والاضطّهاد لا يمكن أن نقبله إلاّ إن استطعنا التخلّي عن سعادتنا الرخيصة والمحدودة لنتمكّن من الانطلاق نحو السعادة السُّميا، سعادة السماء. فالصليب هو طريقنا الوحيد صوب الملكوت، وما الصليب إلاّ ترفّع عن الأرضيّات واعتبار كلّ شيء نفايةً لنربح المسيح.
فمن اضطُّهد ورُفض لأنّه يعيش في نور الحقيقة في قلب عالمٍ مظلم فاسد، هو وحده من يستحقّ الملكوت. سيقتلونه كما قتلوا من سبقوه، ولكن لسنا جبناء ولن نخاف على جلدنا ولن نُنكر مسيحنا، وإن تألّمنا وبكَينا وقتًا قصيرًا، نحن جماعة من يقبلون أن يخسروا العالم ويربحوا نفوسهم لأنّهم يسيرون في رفقة الحمل ليلاً ونهارًا، فلن نعرف الموت بعدُ ولا الحزن ولا الصراخ بعد أن يصير كلّ شيءٍ جديدًا.


MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING