search archives
HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

"أكفر بنفسك واحمل صليبك وتعال اتبعني.."(بقلم جورج عبيد)

19
MARCH
2017
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

شاعر كبير وهو الصديق الدكتور جورج طربيه وصف العالم الذي نحن فيه غابة صلبان في أحد دواوينه، ويقود كلامه بدوره إلى شاعر روسيّ هو بوريس باسترناك حين قال الصمت صليب. عن أيّ صليب يتم الكلام، هل العالم معلّق على صليب الألم والتمزّق، أو معلّق على صليب القيامة لترتسم في جوفه قيامة المسيح؟

قبل أن يعلّق المسيح على الخشبة، كانت الخشبة موضوعة للعار، ترمز إلى عقاب عبثيّ ينتهي بموت عبثيّ، لعلّ أسطورة سيزيف على الرغم من قسوة عقاب الآلهة له بالصخرة المتدحرجة والتي عليه أن يصعد بها إلى القمة لتعود فتتدحرج ويلحق بها إلى الهاوية. قد تبدو لعنة الآلهة أفضل من قسوة عار الصليب، وقد في اللغة العربيّة إعرابيًّا حرف تقليل، فالصليب في تلك الحضارة السوداء عبارة عن موت بلا قيامة، وثمّة قوم من اليهود غير مؤمنين بقيامة الأموات. مع يسوع المسيح صار الصليب رمزًا لثورة الحقّ، أمسى صرخة حريّة بوجه العبوديّة، وسطوع الفجر الأبدي بوجه الليل العبثيّ، وانبثاق الحياة في مواجهة الموت. لقد بات الصليب مدى للجمال الأزليّ يتكوّن بدم الحقّ ليلامس تراب الباطل والعدم ليصير ضياء. أن يسجد المسيحيون الأرثوذكس في الأحد الثالث من الصوم للصليب ويستلموا زهورًا ورياحين بعد سجودهم فهو انغماس في الحقّ الساطع بالمسيح والمنتظر أن ينفجر على هذا الكوكب من أورشليم قيامة ومجدًا وحياة للخليقة.

اللافت في مشهد الخدمة الإلهيّة خلال هذا الأحد تركيز الإنجيل الذي يتلى على هذه الآية: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني". لقد استبق المعلّم المبارك واقع العالم كلّه، بأحداثه ومشاكله، ليظهر بأن الآلام لن تزول فيه بالكليّة إلاّ إذا ذاق الحبّ العيسويّ بصليبه هو. لقد تمّ الخلاص في التاريخ مرّة واحدة بجسد المخلّص المعلقّ على الخشبة، فتمجد عليه بالموت. معطى الخلاص بحدّ ذاته لم يحصر وينحصر في المرّة الواحدة بل امتدّ إلى كلّ الأجيال وهو ممدود إلينا وإلى الآتين من صُلبنا ومن بعدنا. فالمسيح مات ثم قام لكلّ الأجيال، والدعوة إلى حمل الصليب تتخذ أشكالاً عديدة في الشهادة ابتغاء القيامة أيضًا.

إحدى الصور الراسخة أمامنا والدامغة بمعناها التاريخيّ مشهد تحوّل العالم القديم إلى ملء قامة المسيح بواسطة الدم المهراق في ملاعب روما وساحاتها وفي ساحة أثينا أو فوق الأكروبوليس، هذا التحوّل تمّ باستشهاد من سكروا بحبّ المسيح حتّى الموت لدرجة أنّ أحد نبيلاً رومانيًّا حين رأى مسيحيي سوريا وفلسطين ينشدون في المدينة في طريقهم إلى الموت قال لخادمه لا شكّ أن إله هؤلاء حيّ وأنا بدوري سانضمّ إليهم لملاقاة الإله الحيّ، وانضمّ إليهم بالشهادة.

أحيانًا كثيرة ينتابني فكر موجع حول مسيحيتي وأتساءل: هل أنا أعيش مسيحيتي بالعمق الوجودي باكتنازي لطاقة الثالوث القدوس في ذاتي، أو أنا مسيحيّ طائفيّ أتمظهر بالشكل بمسيحيتي وأتمسرح على ساحة الطائفة رابطًا مصالحي بل مصالح المسيحيين ككيان سياسيّ جمعيّ بوصولي إلى هذا الموقع أو ذاك؟ يزيّن لي بأنّنا نعيش حالة طلاق بين أن نكون أمّة المسيح بالمعنى الإيمانيّ والأخلاقي والسياسيّ أيضًا وبين أن نكون طائفة تقاتل الآخرين لأنها تخاف، وتجيء كل سياسة فيها من خوف.

أزمة المسيحيّة كلّها هي هنا بالذات وليست محصورة فقط في الآخر المضطهِد للمسيحيين والساعي إلى اقتلاعهم من وجودهم والمواقع المعطاة لهم، بل جوهرها أن المسيحيين انسلخوا عن هويتهم الروحيّة بحقيقتها الكاملة المرتسمة بقوة الصليب والقيامة. أحد المفكرين الكبار قال في مطالعة له، المسيحيون عشاق الحريّة، والحرية مصدر غناهم الفكريّ والإنسانيّ والحضاري. ليس من شكّ في مدلولات التوصيف العميق، على مستوى علاقة المسيحيين بالزمن والتاريخ والأرض. لكن في المقابل يزيّن لمن يتابع تلك الرؤية بأن التدقيق في معنى الحريّة يحتاج إلى مدلولات أخرى نابعة من التاريخ، ذلك أنّ البون بين المسيحيّين الأول والمسيحيين الحاليين، أنّ أولئك القوم قراوا بـأنّ مسيحهم حياتُهم وحريّتّهم، جاؤوا منه ويعودون إليه، وتحرّكوا بحركته، وتحوّولوا إلى كلمات نطقها قلبه وحبّه، وتعمّدت بالماء والدم السائلَين من جنبه، وجعلوا من هذه الجغرافيا امتدادًا لحضوره ورسمًا لجسده المديد، بولس الرسول أنجل العالم وهو التعبير الصحيح بمعنى أنّه أنجل البشر والحجر، جعل العالم كلّه إنجيل المسيح يستقر في جوفه الكلمة ولا ينفصم عنه، هذا يفسّر قول السيّد لبطرس أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. موت هؤلاء القوم وشهادتهم حياة في المسيح، هكذا اقتحم المسيح أسوار روما وأثينا وحطّم الأصنام ومحا الآلهة، لقد تمّ كل هذا بصليبه، منذ اللحظة التي علقّ فيها على الخشبة وصولاً إلى أناس أنكروا ذواتهم وحملوا الصليب ومضوا إلى رسم قيامة المسيح في الوجود. أمّا المسيحيون في الزمن الحاضر، فهم المهاجرون الدائمون لأنهم خشوا من أنظمة وطبائع الاستبداد والقتل، ومن كلّ اضطهاد مثل أمامهم، فرأوا في أنظمة العالم الليبرالي حريّة لهم ولعيشهم الكريم لتفرغ الأرض منهم، طبعًا لا يعود ذلك إلى هذا العامل فقط بل إلى إهمال الكنيسة بصورة عامّة لهم ولآلامهم.

هذه المسألة خطيرة في معانيها لأن المسيحيين يواجهون بالناسوت فيهم وليس باللاهوت المزروع في أعماقهم منذ اللحظة التي تعمّدوا وفيها وتميرنوا على اسم الآب والابن والروح القدس. لم يكن يسوع المسيح موجودًا فقط بالناسوت بل كان إلهًا تامًّا وإنسانًا تامًّا، المسيح تحرّك في أورشليم بالعمق اللاهوتيّ فيه حوّل الماء خمرًا، ومن السمكتين والخمسة أرغفة أشبع خمسة آلاف في بحرية طبريّة، وشفى الأعمى والمخلّع حتى أقام ألعازر من القبر. بمعنى أنّ المسيح واجه عفن التاريخ بقوّة الله فيه. وحين صعد إلى السماوات ترك القوّة عينها في تلاميذه واطلقهم للبشارة، فسحقوا بهذه القوة جبروت من أسموا أنفسهم عظامًا وملوكًا وآلهة وأباطرة سادوا الأمم لقرون طويلة لأنّ المسيح كان قضيتهم الوحيدة. إذا أتينا بمسيحيّ في هذه البلاد أو في سوريا وطرحنا عليه سؤالاً ما هي قضيّتك اليوم؟ فترى مجموعة قضايا تتدحرج على لسانه ومن فكره، ويختم قائلاً هدفي أن اهاجر لأن لا خبز لي في هذه البلاد ولا خير يرتجى منها وقد سحقت كلمة فيها. فتحار بين الأجوبة المقدّمة لك من أفواه خاشية ونفوس خائفة واقفة فوق رمال متحرّكة، وتسأل أين هو المسيح من كلّ تلك القضايا؟ هل يفهم مسيحيو هذا العالم معنى الحياة في المسيح؟

سأل المطران الحبيب جورج خضر صديقًا يحبّه كثيرًا من الجبل، وقد اشترك هذا الصديق في إكليل صديق له في كنيسة القديس جاورجيوس في عاليه برئاسة سيادته، "يا فلان أعرف أنك من قرية مجاورة لعاليه ولكن لمَ أنت متحمّس جدًّا لهذا الجبل وتجعل جزءًا عزيزًا من أدبياتك؟ حتمًا لم يكن السؤال اختبارًا لعقل هذا الشاب لأنّه متمرّس على النضال في الكنيسة والحياة، بل كان محاولة طيبة للالتماس حقيقة قد تشفي الغليل، فأتاه الجواب على هذا النحو لأنّ المسيح ذبح في هذا الجبل يا سيدنا كما ذبح في فلسطين وفوق الجلجلة، وننتظر تجسيد القيامة هنا من دماء طاهرة في الناس العائدين. وتوًّا دمعت عينا المطران الحبيب وهذا الشاب. المعضلة أننا كمسيحيين لا نرى بنور المسيح، بل نرى الحقائق بأنوار زائفة تنتمي إلى قراءات غالبًا ما تكون ملتبسة أو مشبوهة، لم نخلع اعيننا الترابية ونستبدلها بعينيّ المسيح النوارنيتين. أن تكفر بنفسك وتحمل صليبك يعني أن تتحرر من مدائن وغابات الصلبان العبثيّة كما قال جورج طربيه. لن تغلب تلك الصلبان إلاّ بصليب المسيح بمعنى أن تستبدل صليبك العبثيّ بصليب المسيح الظافر، وتكرز بالمسيح مصلوبًا شكًّا لكلّ من يحاول اقتلاعك من هنا. ليس همّي ان أكون في هذا المركز أو ذاك. فموجوديتيّ في أيّ موقع ومركز عمومًا لا يجب أن تعبّر عن كبريائي الجمعيّ، بل يجب ان تعبّر عن إيماني الحقّ الذي يخلق منّي رجلاً محبًّا للحق في أية وظيفة كانت في الدولة. لا يجدر بالقارئ أن يفهم بأنّ كاتب هذه السطور داعية إلى عدم حضورنا في الدولة أو عدم الشراكة الكاملة مع الآخرين، فهو ناضل غير مرّة في سبيلها، لكنّه داعية إلى تحديد نوعية الحضور وبهائه من بعد فهم دقيق أن وجودي في لبنان والمشرق ليس له جذور سوى يسوع المسيح بمعنى أنّه وحده الذي يتحرّك في كل فكر ومطلب تائق إلى العدالة وصاب إلى الحق ومحبّ لأن يكون البلد صورة عن شراكة المحبة مع الآخرين بعمقها الكبير.

وفي الواقع الاجتماعيّ المكمّل لهذا الواقع فإنّ الأسر المسيحيّة تتمزّق إربًا إربًا وتنشأ الخلافات بين الرجل وزوجته لأسباب تافهة منها حبّ التسلّط والكبرياء الأعمى والعناد الأحمق، وأحيانًا لأسباب جوهريّة بسبب فقدان كلّ من الطرفين للإخلاص للحياة الزوجيّة أو للعنف الأسريّ وهو صليب عبثيّ بدوره، فيغيب الله ولا يعود للمسيح من وجود راسخ في النفس والجسد. وحده "الأنا المقيت" كما قال باسكال هو الموجود، يحارب الرجل زوجته بأناه المستكبرة والمتورّمة، وتحارب المرأة رجلها بأناها المستكبرة والمتورمة ويحاولان التسلّط على بعضهما لأنهما لفظا المسيح من حياتهما، وباتا خارج المعنى الحقيقيّ للزواج، ويربى الأولاد بهذا الصدام، صدام الأنا مع الأخرى. ويسال المسيحيّ الملتزم هل للمسيح بعدُ وجود في حياتنا الشخصيّة والوطنيّة والأسريّة في اوطاننا؟ سؤال مأساوي مطروح على أذهاننا، "وويل لأمّة كثرت فيها طوائفها وقلّ فيها دين" كما كتب جبران خليل جبران في كتاب النبي من بوسطن.

كان العلاّمة الراحل السيّد محمّد حسين فضل الله يلفت نظر الناس قائلاً: أيها المسيحيّ عش مسيحيّتك بصفاء العقل وهدأة النفس ويا ايها المسلم عش إسلامك بهدأة النفس وصفاء العقل، فنصل إلى فضاء مشترك، بما يجمعنا من حبّ مشترك يقوينا لنحيا بإيماننا بالله. قضيتكم أيها المسيحيون في لبنان وسوريا والعراق ومصر والأردن وفلسطين، الآن الآن وليس غدًا هي يسوع المسيح. إحملوا صليب المسيح وتحركوا وطوفوا به بقوّة الإيمان. تصالحوا مع ذواتكم أحبّوا سواكم كأنفسكم، كل كرم فيكم يتمتم المحبة وكل بخل يبطلها، الكرم هو البذل المجانيّ والبخل هو الأخذ الآحادي، التسويات ثمنها مكاسب قد تكون باطلة والسلام هو الانسكاب بلا معاهدات لأنّ القلب رحم لهذا الانسكاب. أيتها النساء إن كنتنّ على خصومة مع رجالكن غلّبن محبة المسيح المجانية والمبذولة في قلوبكنّ ليمحو المسيح آثار الشرّ والإثم، أيها الرجال أحبوا نساءكم كأجسادكم، واجعلوا المسيح ناطقًا في خطاباتكم مع نسائكم وأولادكم لننتهي من كلّ خلاف ويغفر خطاياكم، أكفروا بأنواتكم (جمع أنا) وأنانياتكم المتورمة حطموها واجعلوا فكر المسيح راسخًا فيكم وناطقًا بكم. إحملوا صليب المسيح وتطلعوا إلى فوق إلى موقع العرش الإلهيّ فهذا الصليب يبطل صمت القبور والموت العبثيّ لأنّ عليه تمجّد ابن البشر وتتمجدون بمجده ومن هذا المجد وجوفه بزغ فجر القيامة المضيء. وبعد فالرحلة إلى القيامة تستمر بحمل هذا الصليب ونحن في منتصف الصيام حتى إذا سجدنا للصليب المحيي يبطل الموت فينا ونرث ضياء القيامة بحب الفادي لنا إلى الأبد. آمين   

جورج عبيد 

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING